غزة:
على الرغم من كثافة النيران وحجم الدمار الذي خلفه الطيران الإسرائيلي باستهدافه عدد من الأبنية داخل مدينة غزة وارتقاء 6 شهداء منذ مساء الإثنين، إلا أن المواطنين الفلسطينيين واظبوا على مواصلة حياتهم اليومية، باستثناء تعطيل عمل المؤسسات التعليمية والحكومية.
في المقابل، نزل آلاف الإسرائيلين إلى الملاجئ بعد وقوع خسائر في الأرواح والممتلكات، إثر ليلة ساخنة سقط فيها نحو (500 قذيفة) على مستوطنات غلاف غزة، وفق ما أعلنته غرفة العمليات المشتركة التابعة للمقاومة الفلسطينية.
أمام هذا الواقع، رجح مختصون سياسيون فلسطينيون تطويق دائرة النيران رغم تصاعد وتيرة القصف بين الطرفين (المقاومة، الاحتلال)، معولين على قدرة الوسطاء التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، خلال الساعات القادمة.
غير أن راديو مكان الإسرائيلي نقل في نشرة أخبار الظهيرة عن مسؤول كبير في حكومة بنيامين نتنياهو ، قوله إن اسرائيل قررت قطاع الاتصالات مع نيكولاي ملادينوف المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، ومع مصر أيضاً، بشأن بحث سبل التهدئة.
في الإثناء، يواصل المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية "الكابينت"، اجتماعاته في (تل ابيب) وانضم الى الجلسة رئيس جهاز الموساد يوسي كوهين والمستشار القانوني للحكومة افيحاي ميندلبليت. لبحث الحالة الأمنية على حدود غزة، دون أن ترشح حتى هذه اللحظة أي معلومات حول إمكانية تطويق الأحداث أو اعطاء الضوء الأخضر للجيش الإسرائيلي لتوسيع دائرة النيران.
وعبر الباحث السياسي طلال أبو ركبة، عن اعتقاده بأن الأمور لن تنزلق إلى مواجهة شاملة على غرار حرب 2014، معتبرا أن التحركات الدولية والاقليمية للتهدئة ستنجح في نزع فتيل الأزمة خلال الساعات القادمة.
وقال أبو ركبة: "ما يحدث الآن هو استعراض قوة من كلا الطرفين لفرض إراداته وتحسين شروطه خلال الساعات القادمة"، مؤكدا أن نتنياهو يسعى إلى تسجيل نصر أمام الجمهور الإسرائيلي من خلال قوة النيران واستهدافه لما يطلق عليه "بنك أهداف" للمقاومة يستطيع من خلاله استعراض عظلاته وكانه المنتصر، وسيستجيب لكافة الجهود للتهدئة لاحقاً، على حد قوله.
يتفق الكاتب السياسي إسلام عطا الله مع سابقه، في التأكيد على أن التصعيد قد لا يصل إلى حرب تشبه عدوان 2014. معتبرا أن اللغة مازالت مضبوطة بين الطرفين، (أي بمعنى اتساع الرد مناط بتمادي العدوان).
واعتبر عطا الله أن هناك مؤشر إيجابي متعلق بقيام رئاسة السلطة الفلسطينية ببذل جهود دولية واقليمية كبيرة للعودة للتهدئة في غزة، معرباً عن أمله بأن يوحد العدوان الفلسطينيين ويمكنهم من تغليب الوحدة الوطنية على الإنقسام السياسي، " الوحدة الوطنية وحدها القادرة على هزيمة الطائرات والدبابات الاسرائيلية فقط" كما قال.
وشكل صاروخ "كورنيت" الذي أطلقته كتائب القسام الجناح العسكري لحركة "حماس" باتجاه حافلة نقل جنود على حدود غزة وجرى توثيقه بالفيديو، صدمة لإسرائيل، حيث كسر قواعد اللعبة وحطم الردع، وفق ما قاله إيهود يعاري الخبير الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية.
وأضاف يعاري في حديثه لـ(قناة 13)، إن "حماس من خلال تصعيدها في الساعات الأخيرة تحاول الحصول على صورة ردعية أمام إسرائيل، في ظل فهمها أن إسرائيل تبحث عن طرق لمنع اندلاع مواجهة عسكرية، وهي بذلك تسعى لتحصيل معادلة ردعية".
وأكد أن "قرار حماس بإطلاق صاروخ الكورنيت باتجاه الحافلة الإسرائيلية يأخذ بالأمور نحو التغيير؛ لأن عمليات إطلاق القذائف الصاروخية بصورة مكثفة كانت معدة سلفا، وحماس تفهم وتسمع أن إسرائيل تبذل جهودا حثيثة لعدم الوصول لمرحلة المواجهة العسكرية المفتوحة في غزة، وهي بذلك تستخلص نتيجة أنه يمكن لها أن تحصل من ذلك على ثمن مجز".
وأشار إلى أن "رسالة حماس لإسرائيل أنه إما أن توقفوا هذه الهجمات، أو أننا سنوسع دائرة الصواريخ، وهكذا نحن نعيد سياسة "الضرب مقابل الضرب"، ما يجعل الكابينت الإسرائيلي المصغر أمام اختبار صعب؛ فإما أن يعمل على وقف هذه الجولة من التصعيد، أو الرد عليها بقوة وقسوة".
وازدادت حماسة الشارع الفلسطيني بعد نشر مقطع فيديو بثته ألوية الناصر صلاح الدين، الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية، أظهرت فيه استهداف قوة عسكرية إسرائيلية بتاريخ السابع عشر من فبراير الماضي على حدود غزة، أثناء قيام أحد الجنود بنزع علم ملغوم جرى تثبيته على السياج الشائك.
بدورها وصفت الباحثة في الشأن السياسي عبير ثابت، هذه المرحلة، بإنها مرحلة عض أصابع بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال، فالاحتلال يسعى لفرض معادلة تهدئة وفق احتياجاته الأمنية ولكن المقاومة تسعى لمنعه من تحقيق هذا الهدف.
وأوضحت ثابت أن الاحتلال بعد حرب عام 2014 فرض معادلة الردع التي كسرتها المقاومة خلال مسيرات العودة، وهو يسعى لاستعادة قوة الردع ولكن دون ان تتدحرج الأمور نحو حرب، أما المقاومة فهي ما زالت ترد بشكل محدد ولم تستخدم بعد كل ما لديها من إمكانيات عسكرية خاصة وأن الاحتلال كما يعلن لديه معلومات استخبارية بامتلاك المقاومة لإمكانيات عالية.
أما المحلل السياسي حسام الدجني فأكد أن هناك اتصالات جارية من اطراف عدّة من أجل احتواء ما يجري، فالمقاومة أدارت المعركة ضمن استراتيجية ذاتية هي تكثيف القصف باتجاه منطقة محددة هي عسقلان وهذا يعني أن المقاومة تعمل ضمن أولويات وفق استراتيجية مختلفة عن السابق أي أن هناك نضج يضبط المشهد.
وحول تناول الإعلام الإسرائيلي للأحداث تؤكد ثابت إن الاحتلال يسعى إلى تضخم الصواريخ المنطلقة من غزة تجاه مستوطناتهم المحيطة بالقطاع، لتبرير ما تقوم به طائراتهم والعملية التي يتم تنفيذها، أما الإعلام المناهض لنتنياهو فيحاول إظهار ما يحدث بأنه رد ضعيف، إلا أن الإعلام الحكومي يسعى لإظهار مدى قوة نتنياهو في الرد من خلال قصف مواقع المقاومة.
بدوره يقول الدجني إن محددان يضبطان الإعلام الإسرائيلي الأول هو الرقابة العسكرية الإسرائيلية والثاني حالة الاستقطاب الداخلي للمجتمع الإسرائيلي والتحضير للانتخابات لذلك الصورة والكلمة مهمة في مثل هذه الأوقات، الإعلام يحاول التحريض على قطاع غزة لكسب اليمين المتطرف ويستفز الحكومة للمزيد من الضربات، وفي سياق الحرب النفسية ضد الشعب الفلسطيني من خلال بث الإشاعات البعيدة عن الواقع.
أما بالنسبة للمحللين السياسيين لدى الاحتلال فهم يجزموا أن هذه المعركة لم تكن في صالحهم، بل هي ورطة صنعها ليبرمان لنتنياهو في إطار السجال الداخلي بينهم حول موضوع التفاهمات أو الهدنة مع غزة وهذا السجال دفع ليبرمان لأن يغطي على فشله من خلال عملية خانيونس وزيادة وتيرة عمل قواتهم في قطاع غزة لاستفزاز نتنياهو.
لكن اختلف تقدير ثابت والدجني حول مدى مفاجأة الاحتلال بهذا الكم من الصواريخ التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية، فتعقد ثابت إن الكابينت والمؤسسة العسكرية لم تفاجأ خاصة وأن ما تم استخدامه لا يتعدى القدرات التي يعرفها عن المقاومة ولم يدخل بعد تقنيات ضخمة.
أما الدجني فيرجّح أن الاحتلال فوجىء بهذا الكم، وهذا طبيعي فالعملية التي نفذها الاحتلال كانت تستدعي الرد بهذا الحجم، فقد استخدمت المقاومة إطلاق النار والكورنيت والقصف المتكرر وهذا كان مفاجئًا، وأرادت المقاومة ان توصل رسالة بأنها لا تصمت وأن لديها جهوزية عالية والتفاهمات التي حدثت وإدخال الأموال لا تعني نهاية المطاف والمساعدات رغم أهميتها فهي ليست بديلًا عن الحقوق السياسية.
























